شَيْب في سنة نبوية

 
- إذا شاب الإنسان فقدْ أعذَرَه ربُّه بإمدادِه في فسحة مِن عُمره، وقد اشتدَّ عتابُ الله عز وجل على أقوام عاشوا طويلاً، وامتدت حياتهم، لكنهم لم ينتفعوا بأعمارهم، قال الله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} (فاطر: 37)، قال ابن كثير في تفسيره: "وقوله: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ}: روي عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي جعفر الباقر، وقتادة، وسفيان بن عيينة أنهم قالوا: يعني: الشَيْب. وقال السُدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني به الرسول صلى الله عليه وسلم".

والمشيب وإن كان ظاهره الضعف والكِبَر، إلا أنه يحمل أبواباً عظيمة من الأجر، فقد جاءت الأحاديث النبوية الكثيرة في فضل الشيب، وحكم تغييره عن أكثر من عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة) رواه ابن حبان، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تَنْتِفوا الشَّيْبَ، فإِنه ما من مسلم يَشِيبُ شَيبة في الإسلام، إلا كانت له نوراً يوم القيامة ) رواه أبو داود وصححه الألباني، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنتفوا الشيب، فإنه نورٌ يوم القيامة، ومن شاب شيبة في الإسلام، كُتب له بها حسنة، وحُطّ عنه بها خطيئة، ورُفِع له بها درجة) رواه ابن حبان وحسنه الألباني.
وروى البيهقي في شعب الإيمان وحسنه الألباني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجلٌ شيبةً في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة، ورُفِع بها درجة).
قال الشوكاني: "والتصريح بكتب الحسنة ورفع الدرجة وحط الخطيئة نداء بشرف الشيب وأهله، وأنه من أسباب كثرة الأجور، وإيماء إلى أن الرغوب عنه بنتفه رغوب عن المثوبة العظيمة".

هذه الأحاديث السابقة تبيّن فضل الشيب في السنة النبوية، وأنه لا يُنتف، لأنه نور ووقار للمسلم، والوقار يمنع الشخص عن الغرور والتسويف، ويذهب به إلى الطاعة والتوبة، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: "ويحصل هذا الفضل بشعرة واحدة بيضاء، تكون ضياء ومخلصاً عن ظلمات الموقف وشدائده". وقال المناوي في فيض القدير: "فالشيب يصير نفسه نوراً يهتدي به صاحبه، ويسعى بين يديه يوم القيامة، والشيب وإن لم يكن من كسب العبد، لكنه إذا كان بسبب من نحو جهاد أو خوف من الله ينزل منزلة سعيه".
 
النهي عن نتف الشيب أوتغييره بالسواد:

الفضل الوارد في الشيب في الأحاديث النبوية يرغِّب المسلم في ترك نتفه وإزالته، ومن أراد أن ينتفه أو يزيله فليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي وصححه الألباني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن نتف الشيب، وقال: إنه نور المسلم)، وقوله: (من شاب شيبةً في الإسلامِ كانت له نوراً يوم القيامة، فقال رجلٌ عند ذلك: فإنَّ رجالًا ينتِفون الشّيبَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شاء فلْينْتِفْ نورَه) حسنه الألباني في صحيح الترغيب. 
وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته"، وقال النووي:" لو قيل يحرم النتف للنهي الصريح الصحيح لم يبعد". 

وأعظم من النتف التغيير بالسواد، فقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وحذّر منه، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (أُتِيَ بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيِّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد) رواه مسلم، قال الشيخ ابن عثيمين: " .. (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد) ففي هذا دليل على أن الأفضل أن الإنسان يغير الشيب، يصبغه لكن بغير الأسود، إما بالأصفر كالحناء، أو بالأصفر الممزوج بالكتم، والكتم أسود فإذا مزج الأصفر بالأسود ظهر لون بني، فيصبغ الإنسان بالبني أو بالأصفر كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا المشقة والمؤونة على بعض الناس لكان يفعل ذلك لكن في مراعاة ومراقبة، ويخرج أسفل شعر أبيض وأعلاه مصبوغا، وفي قوله: (جنبوه السواد) دليل على أنه يمنع اللون الأسود، لأن السواد يعني أنه يعيد الإنسان شاباً، فكان ذلك مضادة لفطرة الله عز وجل وسنته في خلقه، وأما بقية الأصباغ فلا بأس بها، إلا السواد لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكم الغناء في الإسلام