الاثنين، 2 نوفمبر، 2015

حكم الجلوس في مقهى يقدم فيه الحلال والحرام كالشيشة



لا يجوز الجلوس في محل يعلن فيه بالمعصية ، إلا لمن اضطر إلى ذلك ، لأن إنكار المنكر باليد واللسان والقلب أمر واجب ، والجلوس في مكان المنكرات وعدم إنكارها يتنافى مع ذلك ، وقد قال الله تعالى : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) النساء/140 .
قال القرطبي رحمه الله : " قوله تعالى: ( فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) أي غير الكفر. ( إنكم إذا مثلهم ): فدل هذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم ، والرضا بالكفر كفر. قال الله عز وجل (إنكم إذا مثلهم ) فكل من جلس في مجلس معصية ، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء.
وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أخذ قوماً يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم فحمل عليه الأدب (أي : عاقبه) وقرأ هذه الآية : ( إنكم إذا مثلهم ) أي إن الرضا بالمعصية معصية " انتهى.
وقال الجصاص في "أحكام القرآن" (2/407) : " . وفي هذه الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر على فاعله وأن مِنْ إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها " انتهى .
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : " والإنكار بالقلب فرض على كل واحد ، وهو بغض المنكر وكراهيته ، ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان ؛ لقول الله سبحانه : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) الأنعام/68" انتهى نقلا عن : "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (16/142).
ثم إنه يخشى على من جلس في هذه الأماكن أن يضعف إيمانه ، وأن تذهب الغيرة من قلبه ، وربما دعاه الشيطان إلى مقارفة شيء من المعصية ، وقد قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) النور/21.
لكن ...إذا احتاج المسلم إلى الجلوس في مكان كهذا ، كما لو كان مسافرا ولم يجد مكانا يستريح فيه إلا ذلك المكان ، فله الجلوس فيه ، على أن يبعد عن أهل المعاصي بقدر استطاعته ، ويكون جلوسه بقدر ما يحتاج فقط ، ثم يقوم . 
والله أعلم .

الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2015

مفهوم الأخلاق في الإسلام



الأخلاق في الإسلام عبارة عن المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني ، والتي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل والأتم ، ويتميز هذا النظام الإسلامي في الأخلاق بطابعين :
الأول : أنه ذو طابع إلهي، بمعنى أنه مراد الله سبحانه وتعالى .
الثاني : أنه ذو طابع إنساني، أي للإنسان مجهود ودخل في تحديد هذا النظام من الناحية العملية .
وهذا النظام هو نظام العمل من أجل الحياة الخيرية ، وهو طراز السلوك وطريقة التعامل مع النفس والله والمجتمع .
وهو نظام يتكامل فيه الجانب النظري مع الجانب العملي منه، وهو ليس جزءًا من النظام الإسلامي العام فقط ، بل هو جوهر الإسلام ولبه وروحه السارية في جميع نواحيه : إذ النظام الإسلامي - على وجه العموم -مبني على مبادئه الخلقية في الأساس ، بل إن الأخلاق هي جوهر الرسالات السماوية على الإطلاق. فالرسول صلى الله وسلم يقول : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " [ رواه أحمد في مسنده ] .
فالغرض من بعثته -صلى الله عليه وسلم - هو إتمام الأخلاق ، والعمل على تقويمها ، وإشاعة مكارمها ، بل الهدف من كل الرسالات هدف أخلاقي ، والدين نفسه هو حسن الخلق .
ولما للأخلاق من أهمية نجدها في جانب العقيدة حيث يربط الله سبحانه وتعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم - بين الإيمان وحسن الخلق ، ففي الحديث لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أفضل إيمانا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : "أحسنهم أخلاقاً " [رواه الطبراني في الأوسط ] .
ثم إن الإسلام عدّ الإيمان برًّا، فقال تعالى : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)(البقرة: 177)
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " البر حسن الخلق " [ رواه مسلم ]. والبر صفة للعمل الأخلاقي أو هو اسم جامع لأنواع الخير.

وكما نجد الصلة بين الأخلاق والإيمان ، نجدها كذلك بين الأخلاق والعبادة إذ إن العبادة روح أخلاقية في جوهرها؛ لأنها أداء للواجبات الإلهية. ونجدها في المعاملات - وهي الشق الثاني من الشريعة الإسلامية بصورة أكثر وضوحاً .
وهكذا نرى أن الإسلام قد ارتبطت جوانبه برباط أخلاقي ، لتحقيق غاية أخلاقية، الأمر الذي يؤكد أن الأخلاق هي روح الإسلام ، وأن النظام التشريعي الإسلامي هو كيان مجسد لهذه الروح الأخلاقية .

الخلق نوعان
1- خلق حسن : وهو الأدب والفضيلة، وتنتج عنه أقوال وأفعال جميلة عقلا وشرعاً .
2- خلق سيئ : وهو سوء الأدب والرذيلة، وتنتج عنه أقوال وأفعال قبيحة عقلا وشرعاً.
وحسن الخلق من أكثر الوسائل وأفضلها إيصالاً للمرء للفوز بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والظفر بقربه يوم القيامة حيث يقول : " إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً" [ رواه الترمذي ] .

الأخلاق والممارسة الإيمانية
إن الأخلاق في الإسلام لا تقوم على نظريات مذهبية ، ولا مصالح فردية ، ولا عوامل بيئية تتبدل وتتلون تبعا لها ، وإنما هي فيض من ينبوع الإيمان يشع نورها داخل النفس وخارجها ، فليست الأخلاق فضائل منفصلة ، وإنما هي حلقات متصلة في سلسلة واحدة ، عقيدته أخلاق ، وشريعته أخلاق ، لا يخرق المسلم إحداها إلا أحدث خرقا في إيمانه .. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن " [ رواه البخاري].
وسئل صلى الله عليه وسلم : أيكذب المؤمن ؟ قال: (لا) ثم تلا قوله تعالى : (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النحل:105) .
فالأخلاق دليل الإسلام وترجمته العملية ، وكلما كان الإيمان قوياً أثمر خلقا قوياً.

دوام الأخلاق وثباتها
كما أن الأخلاق في الإسلام ليست لونا من الترف يمكن الاستغناء عنه عند اختلاف البيئة ، وليست ثوبًا يرتديه الإنسان لموقف ثم ينزعه متى يشاء ، بل إنها ثوابت شأنها شأن الأفلاك والمدارات التي تتحرك فيها الكواكب لا تتغير بتغير الزمان لأنها الفطرة (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)(الروم:30)

حق الجار



والجار معناه القريب في المسكن ويحمل الجوار عدة صور منها جار المسكن وجار السوق وجار المزرعة وجار العمل ونحو ذلك. والجار في الإسلام بمعنى عام هو لفظ يطلق على كل شخص يكون قريبا ومجاورا لمسكنك، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن حد الجوار هو أربعون دارا من كل جانب، فمن هذا الحديث يتم الاستنتاج أن الجار هو من يسكن بقربك وحتى أربعون دارا من كل جانب من جوانب بيتك وعلى هذا الرأي استقر الشافعي والحنبلي، وذهب بعض العلماء إلى أقل من ذلك وأضيق فقالو أن الجار هو الشخص الملاصق لمسكنك من كل جانب، وذهب بعض العلماء أيضا برأي ثالث وهو أنهم قالو أن الجار هو من يصلي معك في المسجد ذاته، ومنهم من قال أن العرف في كل زمان ومكان هو الذي يضبط قضية الجوار، ولا شك أن أولى الناس من الذين يطلق عليهم لقب الجار هو الجار الذي يكون ملاصقا لبيتك وقريبا منك أكثر. وقد اهتم الإسلام بشكل كبير جدا بهذه القضية فقال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: "واعبدوا الله ولا تشركو به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب وابن السبيل"؛  فجاء الإسلام مشددا على هذه القضية، وذلك لما تحمله من أهمية كبيرة وخاصة أن العلاقة بين الجيران إذا كانت منضبطة فإنها تساعد على استقرار المجتمع المسلم ككل في حال التزم كل مسلم وأدى حقوق جاره الشرعية. ويكفي من تشديد النبي عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم على هذه القضية أنه قال ذات يوم وهو يخاطب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم "أن جبريل عليه السلام ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على حرص الإسلام الكبير في ضبط العلاقة بين المسلم وجاره التي يجب أن تقام على الاحترام المتبادل واحترام حقوق كل منهما من قبل الآخر وعدم إيذاء الجار. وحقوق الجار على جاره عديدة وكثيرة من أهمها رد السلام وإجابة الدعوة وذلك لما في هذا الأمر من آثار طيبة تعود على العلاقة بين الجارين، وأيضا من حقوق الجار كف الأذى عنه، وهذا الحق هو من أعظم الحقوق التي يجب أن يؤديها الجار لجاره لما في ذلك من سلامة للقلوب وتبادل للمحبة، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلـم في هذا الأمر أنه قال عن امرأة دخلت النار وقد كانت صوامة وقوامة ولكنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها، ومن حقوق الجار على جاره أن يتفقده ويقوم على قضاء حوائجه له إن كان قادرا على ذلك، وأيضا ستره وصيانة عرضه والاهداء إليه وزيارته ومودته حتى تستمر العلاقة الطيبة بينهما ونحو ذلك من الأمور التي تساهم في انتشار المحبة والمودة في المجتمع المسلم.